صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
133
شرح أصول الكافي
وفي كلام الامام الهمام أبي جعفر الباقر عليه السلام : كلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم ، ولعل النمل الصغار تتوهم ان للّه زبانيتين فان ذلك كمالها ، ويتوهم ان عدمها نقصان لمن لا يتصف بهما ، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى به . انتهى . ولذلك أوحى اللّه تعالى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام : لا تخبر بعبادي بصفاتي فينكرون ولكن أخبرهم عني بما يفهمون . ولما كان النظر في ذات اللّه وصفاته محظرا من هذا الوجه اقتضى الشرع وصلاح الخلق ان لا يتعرضوا لمجاري الفكر ، لكن يعدل بهم إلى المقام الثاني وهو النظر إلى افعاله وعجائب صنعه وبدائع امره في خلقه ، فإنها تدل على جلاله وكبريائه وتدل على كمال علمه وحكمته وعلى نفاذ مشيئته وقدرته ، فينظر إلى صفاته من آثار صفاته . فانا لا نطيق النظر إلى صفاته كما لا نطيق دوام النظر إلى نور الشمس ، ولكن نطيق النظر إلى الأرض مهما استنارت بنور الشمس ونستدل به على عظم نور الشمس بالإضافة إلى نور القمر وسائر الكواكب ، لان نور الأرض من آثار نور الشمس والنظر في الأثر يدلّ على المؤثر دلالة ، وان كان لا يقوم مقام النظر في نفس المؤثر . وجميع موجودات الدنيا آثار من آثار قدرة اللّه ونور من أنوار وجوده « 1 » ، بل لا ظلمة أشد من العدم ولا نور اظهر من الوجود ، ووجودات الأشياء قائمة بذاته القيوم بنفسه ، كما أن قوام نور الأجسام بنور الشمس المضيئة بنفسها ، ومهما انكسف بعض الشمس جرت العادة بان يوضع طست ماء حتى يرى الشمس ويمكن النظر إليها ، فيكون الماء واسطة نقّص قليلا من نور الشمس حتى يطاق النظر إليه ، فكذلك الافعال واسطة يشاهد فيها صفات الفاعل الحق لئلا يبهرنا نور الذات « 2 » بعد ان تباعدنا بواسطة الافعال ؛ فهذا سرّ قوله عليه السلام : من نظر في اللّه كيف هو هلك . وسرّ ما ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : تفكروا في خلق اللّه ولا تتفكروا في اللّه . الحديث السادس وهو الخمسون والمائتان
--> ( 1 ) - من أنواره - م - د - ط . ( 2 ) - يبهر بأنوار الذات - د - م .